محمد بن جرير الطبري
36
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ قال : على نحو إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : سبيل الشقاء والسعادة ، وهو كقوله : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، معمر ، عن قتادة ، قال : قال الحسن ، في قوله : ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ قال : سبيل الخير . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ قال : هداه للإسلام الذي يسره له ، وأعلمه به ، والسبيل سبيل الإسلام . وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب . قول من قال : ثم الطريق ، وهو الخروج من بطن أمه يسره . وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب ، لأنه أشبههما بظاهر الآية ، وذلك أن الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته خلقه ، وتدبيره جسمه ، وتصريفه إياه في الأحوال ، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وبعده . وقوله : ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ يقول : ثم قبض روحه ، فأماته بعد ذلك . يعني بقوله : فَأَقْبَرَهُ : صيره ذا قبر ، والقابر : هو الدافن الميت بيده ، كما قال الأعشى : لو أسندت ميتا إلى نحرها * عاش ولم ينقل إلى قابر والمقبر : هو الله ، الذي أمر عباده أن يقبروه بعد وفاته ، فصيره ذا قبر . والعرب تقول فيما ذكر لي : بترت ذنب البعير ، والله أبتره ؛ وعضبت قرن الثور والله أعضبه ؛ وطردت عني فلانا ، والله أطرده ، صيره طريدا . وقوله : ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ يقول : ثم إذا شاء الله أنشره بعد مماته وأحياه ، يقال : أنشر الله الميت ، بمعنى : أحياه ، ونشر الميت بمعنى حيي هو بنفسه ؛ ومنه قول الأعشى : حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر وقوله : كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ يقول تعالى ذكره : كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر ، من أنه قد أدى حق الله عليه ، في نفسه وماله ، لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ : لم يؤد ما فرض عليه من الفرائض ربه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ قال : لا يقضي أحد أبدا ما افترض عليه . وقال الحرث : كل ما افترض عليه . القول في تأويل قوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ . . . شَقَقْنَا يقول تعالى ذكره : فلينظر هذا الإنسان الكافر المنكر توحيد الله إلى طعامه كيف دبره ؟ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ وشرابه ، قال : إلى مأكله ومشربه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ : آية لهم . واختلفت القراء في قراءة قوله : أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة بكسر الألف من " أنا " ، على وجه الاستئناف ، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة " أنا " بفتح الألف ، بمعنى : فلينظر الإنسان إلى أنا ، فيجعل " أنا " في موضع خفض ، على نية تكرير الخافض ، وقد يجوز أن يكون رفعا